من مشهد فض الاعتصام

by Nariman Youssef

 ١ أغسطس الموافق غرة رمضان. وصلت التحرير حوالي الساعة ٣ ونص بعد انتهاء الهجمة الأولى للجيش والشرطة على الميدان. قوات الجيش كانت منتشرة من أول كوبري قصر النيل. فيه حاجة مزعجة في منظر القوات المسلحة وفي ايديهم عصيان. تأكيد لأنهم في مكان مش بتاعهم.. ماهم أكيد مش هيدافعوا عن الحدود بعصيان.

جوه الميدان: بقايا الخيم ومتعلقات المعتصمين. أفراد من الشرطة على جيش على شرطة عسكرية، زائد بعض الرجال بلبس مدني، بيكسّروا في الحاجات اللي فاضلة بدقة ومنهجية غريبة. كأن عندهم أوامر مايسيبوش حاجة سليمة. صوت تكسير زجاج على خشب على بلاستيك. في نفس المشهد فيه بعض الشباب (من اللي كانوا معتصمين غالباً) بيدوّرا في أشلاء الخيم ناحية المجمّع، وتتردّد بينهم عبارة: حسبي الله ونعم الوكيل.

التكسير ماكانش للخيم والمنصات بس، كمان متعلقات الناس

بناخد لفة حوالين الميدان وانا فاتحة كاميرا الموبايل. كذا حد شكلهم مواطنين عاديين بيقرروا يسمعوني شتيمة وانا معدّية جنبهم. فعل التصوير في حد ذاته غالباً بيوصمني اني يا من المعتصمين يا متعاطفة معاهم. لما بنقرّب من الصينية اللي في وسط الميدان بتبدأ التحذيرات الهستيرية بالامتناع عن التصوير. بانجح في تجاهل معظمها أو الاستهبال في الرد لحد ما بيدخل عليا شخص يحمل ابتسامة صفرا ولهجة متهكمة (باعتبرهم دول من العلامات المميزة لأمن الدولة) وما بيسبناش نعدّي غير لما أقفل الكاميرا. المكان ملغّم بالجيش وخليط متنوّع من موظفي الأمن (أيوه، هو نفس الأمن اللي غايب في كل حتة ده) فمافيش فايدة من المقاومة. باردّ له الابتسامة بأقذع منها واسأله:

– بس هو إيه اللي كسّر الدنيا كده؟

– صحاب المحلات هم اللي كسرّوها.

الشخص اللي قاللي كده هو اللي باين في آخر الفيديو ده:

طبعاً عارفة ان دي اشاعة مغرضة، بس باقرّر آخدها واروح بيها لاصحاب المحلات أشوف هيقولوا إيه. في أول محل عصير على اليمين في شارع باب اللوق، وبعد سلامو عليكو وكل سنة وانتو طيبين، باسألهم لو الأخبار دي حقيقية. واحد شكله كبير القاعدة بيدّخل على طول وبيدور الحوار التالي:

– الجيش هو اللي كسّر كده بس الحمدلله خلصونا من البلاوي اللي كانت مالية الميدان.

– طب ما كانوا يفتحوا الميدان. بس إيه لازمة التكسير والضرب؟

– أحسن. يولعوا بجاز. أنا لو أطول كنت أولّع فيهم بإيدي.

-مين؟

– الثوار! هم صدقوا انهم ثوار بجد؟ دول حبة عيال صيع. بأه دول اللي عايزين يمسكوا البلد؟ ده الخيم كان فيها بلاوي.

– بلاوي إيه يعني؟

– بانجو ودعارة. أيوة كان فيه دعارة جوه الخيم. بلاوي. (الإعادة يمكن من باب التأكيد على نفسه).

– حضرتك شفت الكلام ده بنفسك؟

– أيوه أنا كنت جوه وشفت بنفسي.

بانهي الحوار قبل ماتهوّر واقول له ان انا كنت في الميدان كل يوم تقريباً وماشفتش حاجة من اللي بيقول عليها. وطبعاً مافيش فايدة من اني أحاول أشرح انهم مش عايزين يمسكوا البلد ولا حاجة، دول بس عايزين عدالة لأهالي الشهدا وعايزين بعض الاحترام كمواطنين من اللي ماسكين البلد فعلاً. باخدها من قاصرها وامشي وانا حاسة ان فيه حاجة جوايا بتترعش من الغيظ والاحباط. وبعدين بافتكر حوار مشابه مع صاحب محل آخر يوم ١ فبراير بالليل، بعد خطاب مبارك التاني. الحوار كان تقريباً واحد والأنانية وضيق الأفق ماتغيّروش. مش شرط ان دي الناس اللي “انقلبت على الثورة”. الأوقع ان التجار الصغيرين دول كان من الأول همّهم الأوحد هو مكسبهم المحدود.

واحنا خارجين من الميدان ناحية عبد المنعم رياض بتعترضنا مجموعة من المواطنين ماسكين مواطن نحيل في العشرينيات كده وبيتحاوروا فيما بينهم يضربوه وللا لأ. بنحاول نهدّيهم بس الولد بيتّاخد من بين ايدينا ويتحدف من على السور الحديدي عشان تستلمه الشرطة العسكرية الناحية التانية.

الولد اللي رموه للشرطة العسكرية

الانسحاب شكله دلوقت الاختيار الوحيد لو مش عايزين نحصّله. خاصة لما واحد بينزّل إيدي ويقوللي: “ماتصوّريش لا يفتكروكي معاهم ويحطّوا عليكي”.. معاهم؟ طيب. وانتو كلكو من المنطقة هنا؟ أيوه، كلنا شغالين هنا.

واحد عريض المنكبين يتفصّل منه ٦ من الولد اللي لسه محدوف من على السور بيقوللنا: أنا من يوم ٨ يوليو مش عارف آكل.

بالليل بتبدأ تبان أعداد اللي اتقبض عليهم. وبنبدأ نعدّ أسماء الأصدقاء والمعارف. واضح ان أي حد كان شكله تبع الثوار كان مهدّد انه يتمسك.

أترككم مع اختراع السجن المتنقّل (تصوير عبد الرحمن عز) ونتيجة التعاون بين الجيش والداخلية في أول أيام رمضان.. وكل سنة واحنا مش ساكتين.